الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
42
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
متفاوتة في قبول الفيض الإلهي والاستعداد له والطّاقة على الاضطلاع بحمله ، فلا تصلح للرّسالة إلّا نفس خلقت قريبة من النّفوس الملكيّة ، بعيدة عن رذائل الحيوانية ، سليمة من الأدواء القلبية . فالآية دالّة على أنّ الرّسول يخلق خلقة مناسبة لمراد اللّه من إرساله ، واللّه حين خلقه عالم بأنّه سيرسله ، وقد يخلق اللّه نفوسا صالحة للرّسالة ولا تكون حكمة في إرسال أربابها ، فالاستعداد مهيّئ لاصطفاء اللّه تعالى ، وليس موجبا له ، وذلك معنى قول بعض المتكلّمين : إنّ الاستعداد الذّاتي ليس بموجب للرّسالة خلافا للفلاسفة ، ولعلّ مراد الفلاسفة لا يبعد عن مراد المتكلّمين . وقد أشار ابن سينا في « الإشارات » إلى شيء من هذا في النّمط التّاسع . وفي قوله : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ بيان لعظيم مقدار النبي صلى اللّه عليه وسلّم وتنبيه لانحطاط نفوس سادة المشركين عن نوال مرتبة النّبوءة وانعدام استعدادهم ، كما قيل في المثل « ليس بعشّك فادرجي » . وقرأ الجمهور : رِسالاتِهِ - بالجمع - وقرأ ابن كثير ، وحفص عن عاصم - بالإفراد - ولمّا كان المراد الجنس استوى الجمع والمفرد . سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ . استئناف ناشئ عن قوله : لِيَمْكُرُوا فِيها [ الأنعام : 123 ] وهو وعيد لهم على مكرهم وقولهم : لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ . فالمراد بالّذين أجرموا أكابر المجرمين من المشركين بمكّة بقرينة قوله : بِما كانُوا يَمْكُرُونَ فإنّ صفة المكر أثبتت لأكابر المجرمين في الآية السّابقة ، وذكرهم ب الَّذِينَ أَجْرَمُوا إظهار في مقام الإضمار لأنّ مقتضى الظاهر أنّ يقال : سيصيبهم صغار ، وإنّما خولف مقتضى الظاهر للإتيان بالموصول حتّى يومئ إلى علّة بناء الخبر على الصّلة ، أي إنّما أصابهم صغار وعذاب لإجرامهم . والصّغار - بفتح الصّاد - الذلّ ، وهو مشتقّ من الصّغر ، وهو القماءة ونقصان الشيء عن مقدار أمثاله . وقد جعل اللّه عقابهم ذلّا وعذابا : ليناسب كبرهم وعتوّهم وعصيانهم اللّه تعالى . والصّغار والعذاب يحصلان لهم في الدّنيا بالهزيمة وزوال السّيادة وعذاب القتل والأسر